فخر الدين الرازي
38
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
أن العمومات الواردة في إيجاب الزكاة موجودة في الحلي المباح قال عليه السلام : « هاتوا ربع عشر أموالكم » و قال : « في الرقة ربع العشر » و قال : « يا علي عليك زكاة ، فإذا ملكت عشرين مثقالا ، فأخرج نصف مثقال » و قال : « ليس في المال حق سوى الزكاة وقال لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول » فهذه الآية مع جميع هذه الأخبار توجب الزكاة في الحلي المباح ، ثم نقول ولم يوجد لهذا الدليل معارض من الكتاب ، وهو ظاهر لأنه ليس في القرآن ما يدل على أنه لا زكاة في الحلي المباح ، ولم يوجد في الأخبار أيضا معارض إلا أن / أصحابنا نقلوا فيه خبرا ، وهو قوله عليه السلام : « لا زكاة في الحلي المباح » إلا أن أبا عيسى الترمذي قال : لم يصح عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم في الحلي خبر صحيح ، وأيضا بتقدير أن يصح هذا الخبر فنحمله على اللئالئ لأنه قال : لا زكاة في الحلي ، ولفظ الحلي مفرد محلى بالألف واللام ، وقد دللنا على أنه لو كان هناك معهود سابق ، وجب انصرافه إليه والمعهود في القرآن في لفظ الحلي اللئالئ . قال تعالى : وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها [ النحل : 14 ] وإذا كان كذلك انصرف لفظ الحلي إلى اللئالئ ، فسقطت دلالته ، وأيضا الاحتياط في القول بوجوب الزكاة ، وأيضا لا يمكن معارضة هذا النص بالقياس ، لأن النص خير من القياس فثبت أن الحق ما ذكرناه . المسألة الخامسة : أنه تعالى ذكر شيئين وهما الذهب والفضة . ثم قال : وَلا يُنْفِقُونَها وفيه وجهان : الأول : أن الضمير عائد إلى المعنى من وجوه : أحدها : أن كل واحد منهما جملة وآنية دنانير ودراهم ، فهو كقوله تعالى : وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا [ الحجرات : 9 ] وثانيها : أن يكون التقدير ، ولا ينفقون الكنوز . وثالثها : قال الزجاج : التقدير : ولا ينفقون تلك الأموال . الوجه الثاني : أن يكون الضمير عائدا إلى اللفظ وفيه وجوه : أحدها : أن يكون التقدير ولا ينفقون الفضة ، وحذف الذهب لأنه داخل في الفضة من حيث إنهما معا يشتركان في ثمنية الأشياء ، وفي كونهما جوهرين شريفين ، وفي كونهما مقصودين بالكنز ، فلما كانا متشاركين في أكثر الصفات كان ذكر أحدهما مغنيا عن ذكر الآخر . وثانيها : أن ذكر أحدهما قد يغني عن الآخر كقوله تعالى : وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها [ الجمعة : 11 ] جعل الضمير للتجارة . وقال : وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً [ النساء : 112 ] فجعل الضمير للإثم . وثالثها : أن يكون التقدير : ولا ينفقونها والذهب كذلك كما أن معنى قوله : وإني وقيار بها لغريب أي وقيار كذلك . فإن قيل : ما السبب في أن خصا بالذكر من بين سائر الأموال ؟ قلنا : لأنهما الأصل المعتبر في الأموال وهما اللذان يقصدان بالكنز . واعلم أنه تعالى لما ذكر الذين يكنزون الذهب والفضة قال : فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ أي فأخبرهم على سبيل التهكم لأن الذين يكنزون الذهب والفضة إنما يكنزونهما ليتوسلوا بهما إلى تحصيل الفرج يوم الحاجة . فقيل هذا هو الفرج كما يقال تحيتهم ليس إلا الضرب وإكرامهم ليس / إلا الشتم ، وأيضا فالبشارة عن الخير الذي يؤثر في القلب ، فيتغير بسببه لون بشرة الوجه ، وهذا يتناول ما إذا تغيرت البشرة بسبب الفرح أو بسبب الغم .